محمد بن جرير الطبري

63

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

طُولًا يقول تعالى ذكره : ولا تمش في الأرض مختالا مستكبرا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ يقول : إنك لن تقطع الأرض باختيالك ، كما قال رؤبة : وقاتم الأعماق خاوي المخترق يعني بالمخترق : المقطع وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا بفخرك وكبرك ، وإنما هذا نهي من الله عباده عن الكبر والفخر والخيلاء ، " وتقدم منه إليهم فيه معرفهم بذلك أنهم لا ينالون بكبرهم وفخارهم شيئا يقصر عنه غيرهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا يعني بكبرك ومرحك . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً قال : لا تمش في الأرض فخرا وكبرا ، فإن ذلك لا يبلغ بك الجبال ، ولا تخرق الأرض بكبرك وفخرك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ قال : لا تفخر . وقيل : لا تمش مرحا ، ولم يقل مرحا ، لأنه لم يرد بالكلام : لا تكن مرحا ، فيجعله من نعت الماشي ، وإنما أريد لا تمرح في الأرض مرحا ، ففسر المعنى المراد من قوله : ولا تمش ، كما قال الراجز : يعجبه السخون والعصيد * والتمر حبا ماله ومزيد فقال : حبا ، لأن في قوله : يعجبه ، معنى يحب ، فأخرج قوله : حبا ، من معناه دون لفظه . وقوله : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً فإن القراء اختلفت فيه ، فقرأه بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً على الإضافة بمعنى : كل هذا الذي ذكرنا من هذه الأمور التي عددنا من مبتدإ قولنا وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ إلى قولنا وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً كانَ سَيِّئُهُ يقول : سئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها . وقال قارئو هذه القراءة : إنما قيل كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ بالإضافة ، لأن فيما عددنا من قوله وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أمورا ، هي أمر بالجميل ، كقوله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وقوله وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وما أشبه ذلك ، قالوا : فليس كل ما فيه نهيا عن سيئة ، بل فيه نهى عن سيئة ، وأمر بحسنات ، فلذلك قرأنا سَيِّئُهُ وقرأ عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة : " كل ذلك كان سيئة " وقالوا : إنما عنى بذلك : كل ما عددنا من قولنا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ولم يدخل فيه ما قبل ذلك . قالوا : وكل ما عددنا من ذلك الموضع إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه ، فالصواب قراءته بالتنوين . ومن قرأ هذه القراءة ، فإنه ينبغي أن يكون من نيته أن يكون المكروه مقدما على السيئة ، وأن يكون معنى الكلام عنده : كل ذلك كان مكروها سيئة ؛ لأنه إن جعل قوله : مكروها نعد السيئة من نعت السيئة ، لزمه أن تكون القراءة : كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهة ، وذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين . وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ على إضافة السيئ إلى الهاء ، بمعنى : كل ذلك الذي عددنا من وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ . . . كانَ سَيِّئُهُ لأن في ذلك أمورا منهيا عنها ، وأمورا مأمورا بها ، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الموضع دون قوله وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ إنما هو عطف على ما تقدم من قوله وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فإذا كان ذلك كذلك ، فقراءته بإضافة السيء إلى الهاء أولى وأحق من قراءته سيئة بالتنوين ، بمعنى السيئة الواحدة . فتأويل الكلام إذن : كل هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التي عددناها عليك كان سيئة مكروها عند ربك يا محمد ، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه ، فاتق مواقعته والعمل به . القول